المقريزي
70
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
النّوم ، وأنت إلى الحيّ أقرب وبضمانه أوثق . فقال : دعنا من هذا ، فلست أقبل منك ! وركب في غد ذلك اليوم إلى نحو الصّعيد . فلما أمعن في الصّحراء ساخت في الأرض يد فرس بعض غلمانه - وهو رمل - فسقط الغلام في الرّمل ، فإذا بفتق ، ففتح فأصيب فيه من المال ما كان مقداره ألف ألف دينار ، وهو المطلب « ( a » الذي شاع خبره . وكتب به إلى العراق أحمد بن طولون يخبر المعتمد به ، ويستأذنه فيما يصرفه فيه من وجوه البرّ وغيرها ، فبنى منه المارستان . ثم أصاب بعده في الجبل مالا عظيما ، فبنى منه الجامع ، ووقف جميع ما بقي من المال في الصّدقات . وكانت صدقاته ومعروفه لا تحصى كثرة . ولمّا انصرف من الصّحراء ، وحمل المال ، أحضر ابن دشّومة وأراه المال ، وقال له : بئس الصّاحب والمستشار أنت ! هذا أوّل بركة مشورة الميّت في النّوم ، ولولا أنّني أمّنتك لضربت عنقك . وتغيّر عليه وسقط محلّه عنده . ورفع إليه بعد ذلك أنّه قد أجحف بالنّاس ، وألزمهم أشياء ضجّوا منها . فقبض عليه وأخذ ماله وحبسه ، فمات في حبسه « 1 » . وكان ابن دشّومة واسع الحيلة بخيل الكفّ ، زاهدا في شكر الشّاكرين ، لا يهشّ إلى شيء من أعمال البرّ . وكان أحمد بن طولون من أهل القرآن ، إذا جرت منه إساءة استغفر وتضرّع « 2 » . وقال ابن عبد الظّاهر : سمعت غير واحد يقول : إنّه لمّا فرغ أحمد بن طولون من بناء هذا الجامع ، أسرّ للنّاس بسماع ما يقوله النّاس فيه من العيوب . فقال رجل : محرابه صغير ، وقال آخر : ما فيه عمود ، وقال آخر : ليست له ميضأة . فجمع النّاس وقال : أمّا المحراب فإنّي رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقد خطّه لي ، فأصبحت فرأيت النّمل قد أطافت بالمكان الذي خطّه لي « 3 » . وأمّا العمد فإنّي بنيت هذا الجامع من مال حلال وهو الكنز ، وما كنت لأشوبه بغيره ، وهذه العمد إمّا أن تكون من مسجد أو كنيسة فنزّهته عنها . وأمّا الميضأة فإنّي نظرت
--> ( a بولاق : الكنز . ( 1 ) البلوي : سيرة أحمد بن طولون 73 - 77 ؛ ابن سعيد : المغرب 85 - 86 ( عن ابن الدّاية ) ؛ ابن أيبك : كنز الدرر 5 : 271 ؛ ابن عبد الظاهر : الروضة البهية 78 ؛ السيوطي : حسن المحاضرة 2 : 247 ؛ ابن إياس : بدائع الزهور 1 / 1 : 162 - 163 . ( 2 ) المقريزي : مسوّدة الخطط 73 ظ - 75 و . ( 3 ) فيما تقدم 38 ؛ وقارن الموفق بن عثمان : مرشد الزوار 203 - 204 .